السيد رضا الصدر

52

محمد ( ص ) في القرآن

وإنّ الضدّ قد نشأ في موطن ضدّه . ونصغي إلى محمّد نفسه كي يحدّثنا بذلك : « لم يزل ينقلني اللّه من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهّرات ، حتّى أخرجني في عالمكم هذا دون أن يدنّسني بدنس الجاهليّة » « 1 » . إنّ الإيمان الوثيق لم ينفصل عن الحقّ في الدعوة ، وإنّ الحقّ في الدّعوة تحقّقه سلامة ما يدعو إليه ، وما يكتنف سبيله من واقعية توفّر الإيمان وتوفّقه . وإنّه قوّة تجانب التعصّب وتجفوه كمبدإ ، فالأولى تنجم عن الخضوع والانصياع لكلمة الحقّ ، والثانية فإنّها تنجم عن التهافت إزاء الذاتية وهيمنتها . من يناقش في الحقّ فهو كمن يدّعي وجود ثغرة في صخرة صلبة ، يكفي في ظهور كذبه أن يرى الإنسان الصخرة مرّة واحدة . ومن آمن بالحقّ يتمكّن أن يدافع عنه بمقدار مستواه العلمي ، ومن اعتنق الباطل لا يقدر على ذلك إلّا أن يتشبّث بأذيال التعصّب الذميم ، ليذهب به إلى الجحيم ، وهو غافل عن ذلك . إنّ المذهب الباطل كبناية متضعضعة صبغت بالأصباغ ، ويعرف الخلل فيها من أمعن النظر إليها . ولذلك ترى أرباب المذاهب الفاسدة يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ « 2 » ، ليخدعوا أنفسهم ويخدعوا الناس ، ويستغلّوهم ، ثمّ يمنعوهم عن البحث والتنقيب . إنّ الإيمان الصحيح هو الإيمان البريء عن العاطفة ، وما انبثق عن البحث والنظر ، واتّباع ما يحدو إليه المنطق والحجّة . وإنّ الواجب على الداعية أن يكون مؤمنا بما يدعو إليه ؛ لتكون دعوته أنفذ ، وإذا كانت دعوته إلى الحقّ فالداعية هو أوّل المؤمنين بها ، وأفضلهم اعتقادا ، وأقدمهم

--> للصدوق ، ص 116 ؛ تفسير فرات ، ص 190 ؛ علل الشرائع ، ص 80 . ( 1 ) . مجمع البيان ، ج 4 ، ص 322 ؛ البحار ، ج 15 ، ص 117 . ( 2 ) . المائدة ( 5 ) الآية 13 .